اقتصاد

من المنتدى إلى المشاريع: اتفاقات إماراتية-لبنانية تفتح مساراً جديداً للاستثمار في الزراعة واللوجستيات والطاقة

بيروت – 28 أغسطس/آب 2026

دخلت العلاقات الاقتصادية بين لبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة أكثر عملية مع انتقال الاتصالات من مستوى الرسائل السياسية إلى توقيع اتفاقات مؤسساتية ومذكرات تعاون تستهدف قطاعات إنتاجية وخدمية يحتاجها الاقتصاد اللبناني بشدة. وأفادت وكالة أنباء الإمارات يوم الجمعة بأن غرفة تجارة وصناعة رأس الخيمة وقعت، على هامش المنتدى الإماراتياللبناني للأعمال، اتفاق تعاون وتوأمة مع غرفة تجارة وصناعة وزراعة زحلة والبقاع، بهدف توسيع قنوات الاستثمار والتجارة بين الشركات والمستثمرين في الجانبين. ويأتي ذلك استكمالاً لنتائج المنتدى الذي جمع وفداً إماراتياً كبيراً من المسؤولين وقادة الأعمال في بيروت وشهد تأسيس مجلس أعمال مشترك وتوقيع أربع مذكرات تفاهم.

من الوفود إلى مؤسسات دائمة

أهمية الخطوات الأخيرة لا ترتبط بعدد الاجتماعات بقدر ما ترتبط بإنشاء قنوات يفترض أن تستمر بعد مغادرة الوفود. فقد أُعلن عن تأسيس مجلس الأعمال الإماراتياللبناني المشترك ليكون منصة تربط الشركات والغرف التجارية وتساعد على تحديد المشاريع القابلة للاستثمار ومتابعة العقبات التنظيمية والتمويلية. كما وُقعت اتفاقية تعاون بين غرفتي أبوظبي وبيروت وجبل لبنان، إلى جانب ترتيبات في الزراعة والتكنولوجيا الزراعية بين شركة إماراتية والجامعة الأميركية في بيروت وشركة لبنانية متخصصة في حلول البيوت الزراعية.

هذه الصيغة تعطي العلاقات الاقتصادية بنية أكثر وضوحاً. فبدلاً من الاعتماد على زيارات موسمية أو مبادرات فردية، يصبح لدى المستثمرين إطار يمكن من خلاله تبادل المعلومات، وتقييم المخاطر، والتواصل مع الجهات الرسمية، وبناء شراكات محلية. وفي اقتصاد يعاني منذ سنوات من نقص التمويل وتراجع الاستثمار الخارجي، قد تكون القدرة على تحويل الاهتمام السياسي إلى عقود حقيقية هي المعيار الأهم لقياس جدية المرحلة الجديدة.

القطاعات المستهدفة

الوفد الإماراتي الذي زار لبنان ضم ممثلين عن قطاعات اللوجستيات والأمن الغذائي والزراعة والطاقة المتجددة والنفط والغاز والطيران والصحة والسياحة والذكاء الاصطناعي. وهذا التنوع مهم لأن الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى استثمارات لا تقتصر على العقارات أو الخدمات المالية، بل تمتد إلى البنية التحتية والإنتاج والتصدير. وتبرز الزراعة تحديداً كأحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من الخبرة الإماراتية في التقنيات الزراعية وإدارة المياه والبيوت المحمية، فيما يمكن للبنان أن يقدم قاعدة إنتاج زراعي وخبرات بشرية وموقعاً قريباً من أسواق عربية وأوروبية.

كما تمثل اللوجستيات والطيران والطاقة قطاعات ذات أثر مضاعف. تحسين النقل والتخزين والموانئ وسلاسل التبريد يمكن أن يخفض كلفة التصدير ويزيد قدرة المزارعين والصناعيين على الوصول إلى الأسواق. أما الاستثمار في الطاقة، فيمكن أن يخفف جزءاً من العبء الذي يفرضه ضعف التغذية الكهربائية وكلفة المولدات والطاقة الخاصة على الشركات والأسر.

أرقام التجارة تعطي خلفية للاندفاعة

وفق البيانات المعلنة خلال المنتدى، بلغ حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات ولبنان نحو 4.2 مليارات دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 35.6% مقارنة بعام 2024. الرقم يشير إلى أن العلاقة التجارية قائمة بالفعل على قاعدة كبيرة نسبياً، لكن التحدي هو الانتقال من تبادل السلع والخدمات إلى استثمارات طويلة الأجل تنشئ وظائف وتزيد الإنتاج المحلي.

وجود جالية لبنانية كبيرة في الإمارات يضيف عنصراً داعماً لهذه العلاقة. فالخبرات اللبنانية العاملة في قطاعات التكنولوجيا والإدارة والهندسة والضيافة والتمويل تشكل جسراً بشرياً يمكن أن يساعد الشركات الإماراتية على فهم السوق اللبنانية والعكس. لكن تحويل هذا العامل إلى استثمارات يتطلب بيئة قانونية مستقرة وشفافة وقدرة على حماية رأس المال وتسوية النزاعات.

الاستثمار يحتاج إلى إصلاحات وليس إلى الثقة السياسية فقط

رغم النبرة الإيجابية للمنتدى، لا تزال أمام لبنان مشكلات بنيوية لا يمكن لأي وفد استثماري تجاوزها بمفرده. النظام المصرفي لم يستعد عافيته بالكامل، والملفات المتعلقة بودائع المواطنين وإعادة هيكلة المصارف والمالية العامة تحتاج إلى حلول نهائية. كما أن المستثمر الخارجي ينظر إلى سرعة القضاء، ووضوح القوانين الضريبية، وإمكانية تحويل الأموال، واستقرار الكهرباء والاتصالات، ومستوى المخاطر الأمنية.

لذلك فإن الزيارات الإماراتية قد تكون فرصة، لكنها ليست بديلاً عن الإصلاح. وإذا لم تترافق الاتفاقات مع تبسيط الإجراءات وتحديث التشريعات وضمان المنافسة والشفافية، يمكن أن تبقى كثير من مذكرات التفاهم في مرحلة النيات.

البقاع في قلب الفرص الجديدة

توقيع اتفاق التوأمة بين غرفة رأس الخيمة وغرفة زحلة والبقاع يلفت الانتباه إلى أهمية المناطق خارج بيروت. فالبقاع يملك ثقلاً زراعياً وصناعياً واضحاً، ويمكن أن يستفيد من استثمارات في التصنيع الغذائي والتعبئة والتبريد والطاقة الشمسية واللوجستيات. وإذا نجحت هذه المشاريع، فهي لا تولد فرص عمل فقط بل تساعد على تثبيت السكان وتقليل الهجرة الداخلية والخارجية.

كما أن بناء شراكات مباشرة بين غرف التجارة يسمح للشركات الصغيرة والمتوسطة بالدخول إلى العلاقة الاقتصادية، بدلاً من حصرها في المجموعات الكبرى. وهذه نقطة أساسية لأن الجزء الأكبر من الشركات اللبنانية صغير أو متوسط الحجم ويحتاج إلى شركاء وأسواق وتمويل وليس إلى مشروعات ضخمة فقط.

ما الذي يجب مراقبته بعد المنتدى؟

المرحلة المقبلة ستكشف الفرق بين الزخم الإعلامي والنتائج الفعلية. المؤشرات التي تستحق المتابعة تشمل عدد المشاريع التي تنتقل إلى دراسات جدوى، وحجم الاستثمارات الموقعة، والوظائف التي ستنشأ، ونسبة المكونات والخبرات اللبنانية المستخدمة، وسرعة تنفيذ الاتفاقات الزراعية والتجارية. كذلك سيكون مهماً معرفة ما إذا كان مجلس الأعمال المشترك سيصدر خريطة استثمار واضحة تتضمن مشاريع محددة وأطر زمنية.

المؤكد حتى الآن هو أن العلاقات الاقتصادية الإماراتيةاللبنانية انتقلت إلى مستوى أكثر تنظيماً، وأن هناك اهتماماً معلناً بقطاعات متعددة. أما نجاح هذه المرحلة فسيعتمد على قدرة لبنان على توفير بيئة قابلة للاستثمار، وقدرة الطرفين على تحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع قابلة للقياس، لا إلى سلسلة جديدة من الإعلانات غير المنفذة.

arabsongdubai.com — من المنتدى إلى المشاريع: اتفاقات إماراتية-لبنانية تفتح مساراً جديداً للاستثمار في الزراعة واللوجستيات والطاقة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى