الفشل المتكرر للموساد وعمق المخزون الفكري الإيراني


| خضر رسلان | كاتب وإعلامي لبناني
منذ سنوات، تحاول “إسرائيل” وحلفاؤها الغربيون التعامل مع إيران بوصفها ساحة قابلة للاختراق، مستخدمين أدوات متعددة من العمل الاستخباراتي والاغتيالات إلى الحرب النفسية والضغط الاقتصادي. إلا أن الحصيلة المتراكمة تكشف عجزًا واضحًا عن تحقيق اختراق حاسم أو إحداث تصدّع داخلي قادر على تغيير مسار الدولة. هذا الفشل المتكرر لا يمكن تفسيره فقط بسوء تقدير أمني أو إخفاق عملياتي، بل يعكس خللًا أعمق في فهم طبيعة المجتمع الإيراني وبنيته الفكرية والوجدانية.
تعتمد كثير من التحليلات الخارجية على مقاربة إيران من زاوية المؤشرات الاقتصادية وحدها، باعتبار أن التضخم والعقوبات والضغوط المعيشية كفيلة بتفكيك الداخل. هذه القراءة، على تأثيراتها الجزئية، تبقى قاصرة، لأنها تفصل الاقتصاد عن منظومة القيم والهوية والوعي التاريخي التي تحكم السلوك الجمعي. في الحالة الاسلامية الإيرانية، لا يتحول الضغط تلقائيًا إلى تمرّد، بل غالبًا ما يُعاد تفسيره بوصفه استهدافًا للمنظومة العقائدية التي قامت على أساسها الثورة ، ما يبدّل نتائجه السياسية والاجتماعية.
من هنا، يبدو الفشل المتكرر للموساد نتيجة مباشرة لجهله بهذه الطبقة العميقة من الواقع الإيراني. فالعمليات الاستخباراتية، مهما بلغت دقتها، تصطدم بجدار غير مرئي يتمثل في مجتمع يمتلك مخزونًا فكريًا متراكمًا، يجعل من الاختراق مهمة شبه مستحيلة. كل اغتيال أو اختراق أمني قد يحقق صدمة آنية أو ضجيجًا إعلاميًا، لكنه يعجز عن المساس بالأساس الذي يقوم عليه التماسك الداخلي.
أحد أبرز عناصر هذا المخزون، وأكثرها تجاهلًا في التحليلات الغربية، هو الولاء الوجداني العميق لمدرسةأهل بيت النبي محمد (ص ). هذا الولاء لا يُختصر في بعد ديني أو طقوسي، بل يشكل قوة نفسية وأخلاقية فاعلة تضبط السلوك الجماعي في لحظات التهديد القصوى. كثيرون يخطئون حين ينظرون إلى هذا العامل بوصفه مجرد عاطفة أو خطاب تعبوي، فيما تُظهر التجربة الإيرانية أنه طاقة وجدانية قادرة على مواجهة أقوى الانفعالات الإنسانية، من الخوف واليأس والغضب، وتحويلها إلى صبر وثبات واستعداد للمواجهة.
الرمزية المرتبطة بأهل البيت، ولا سيما البعد الحسيني، تحتل موقعًا مركزيًا في الوعي الجمعي الإيراني. فهي لا تُستحضر بوصفها ذكرى تاريخية، بل كمنظومة قيم تحكم الموقف من الظلم والاستهداف الخارجي. في هذا الإطار، يصبح الدفاع عن الدولة والنظام، في لحظات الضغط، جزءًا من الدفاع عن الهوية والكرامة، لا مجرد اصطفاف سياسي عابر. هذا ما يمنح النظام درعًا حاضنًا من الداخل، لا يلغي النقد أو التباينات، لكنه يمنع تحويل الأزمات إلى أداة تفكيك.
إلى جانب البعد العقائدي، يستند هذا التماسك إلى وعي حضاري وتاريخي عميق. فإيران دولة ذات ذاكرة طويلة في مواجهة التدخلات الأجنبية، ما رسّخ في وعيها الجمعي قناعة بأن التراجع تحت الضغط لا يوقف الاستهداف، بل يفتح الباب أمام مزيد من الهيمنة. كما أن تجربة ما بعد الثورة، بما حملته من صدامات مستمرة، أسهمت في بناء مناعة اجتماعية ترى في الصمود خيارًا عقلانيًا قبل أن يكون موقفًا أيديولوجيًا.
في ضوء ذلك، تبدو محاولات الموساد وحلفائه محكومة بسقف محدود من النتائج. فالتركيز على الأدوات التكتيكية يغفل أن المعركة الحقيقية تُخاض في مستوى أعمق، هو مستوى الوعي والهوية. وكلما اشتد الضغط الخارجي، غالبًا ما يلتقي هذا الضغط مع وعي جمعي مقاوم، فيتحول من عامل إضعاف إلى عنصر توحيد داخلي.
خلاصة القول إن الفشل المتكرر للموساد في إيران ليس حدثًا عابرًا، بل تعبير عن حدود القوة الاستخباراتية عندما تواجه مجتمعًا يمتلك مخزونًا فكريًا وعقائديًا متينًا. في الحالة الإيرانية، لا يُحمى النظام بالأجهزة والسلاح وحدها، بل بمجتمع يشكل خط الدفاع الأول، حيث يتحول الولاء الوجداني والوعي التاريخي إلى حصن داخلي يجعل من كل محاولة اختراق رحلة فشل تبدأ قبل أن تصل إلى العمق.
تنويه من موقعنا
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
yalebnan.org
بتاريخ: 2026-01-14 18:01:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقعنا والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.



