التغيير يبدأ الشجاعة، بقلم الدوقة نيفين الجمل

إن استلامي جائزة جامعه أوكسفورد ببريطانية صانعة التغيير لعام 2025 شرف يفوق الوصف. فأكسفورد اسم مرادف للمعرفة والتحول، واليوم وأنا أقف أمامكم، أتذكر أن التغيير الحقيقي لا يبدأ في قاعات البرلمانات أو مجالس الإدارة، بل في لحظات الشجاعة الصامتة.
هذا التكريم لا يعود لي وحدي. إنه لكل صوت رفض الصمت في وجه الظلم. إنه دليل على أن الحقيقة والاحترام والكرامة يمكن أن تعيد تشكيل العالم. وإلى الشابات اللواتي يناضلن من أجل الحرية والعدالة—أتسلم هذه الجائزة باسمكن.
كسر الصمت: تحويل الألم إلى رسالة
بالنسبة لي، وُلدت الشجاعة من رحم الشدائد.
وُلدت في الجيزة بمصر، في ثقافة مليئة بالجمال والتاريخ—ولكن أيضًا بالقوانين الصارمة. وهناك اكتشفت أن المرأة لا تستطيع تجديد جواز سفرها أو السفر بحرية دون إذن والدها أو زوجها. وغيرها من بيت الطاعه وغيره، تلك التوقيعات أصبحت قيودًا غير مرئية سجنت حريتي.
لاحقًا، في لندن، ظننت أن تلك المعارك انتهت. لكن السيطرة عادت، هذه المرة في بدلات فاخرة ولغة قانونية—أوامر قضائية سرية، جلسات مغلقة، ونظام أسكتني باسم الخصوصية.
لم أكن أواجه مجرد زوج. كنت أواجه بنية قانونية سمحت لـ السلطة والسرية أن تتحالفا وتخنقا كل من يجرؤ على المقاومة.
وهناك، في قاعة المحكمة، أدركت شيئًا عميقًا: هذه لم تكن معركتي وحدي. بل هي معركة كل امرأة قيل لها أن تطيع بدل أن تختار. وكل طفل استُخدم كأداة في لعبة سيطرة.
وعرفت حينها أن الصمت لم يعد خيارًا.
من ضحية إلى صوت
اخترت أن أحول الألم إلى رسالة. لم أقاتل لنفسي فقط، بل من أجل الإصلاح.
اليوم، أنا أنادي بـ:
• العدالة العلنية—لأن السرية تحمي الأقوياء لا الضعفاء.
• التثقيف القانوني الإلزامي للنساء القادمات إلى المملكة المتحدة عبر تأشيرات الزواج—لأن الجهل لا يجب أن يعني الضعف.
• حماية الأطفال—لأنهم يجب ألا يكونوا ضحايا في حروب الكبار.
لقد أطلقت حملات وكتبت كتبًا، لا من أجل الانتقام بل من أجل الإصلاح. لأنه من غير المقبول أنه في عام 2025، لا تزال المرأة تُعامل كملكية. من غير المقبول أن يُستخدم الأطفال كأوراق ضغط. ومن غير المقبول أن تختبئ العدالة خلف السرية بينما الحقيقة تكافح من أجل الحياة.
هذه ليست قصتي وحدي. إنها نداء جماعي من أجل الإصلاح.
وهم الحماية
الزواج يعد بالأمان، لكنه في كثير من الأحيان يخفي السيطرة.
القوانين المصممة للحماية قد تتحول إلى أدوات للقهر.
علينا أن نكشف كيف يمكن للمال والنفوذ أن يسخرا العدالة كسلاح، وعلينا أن نفكك البُنى التي تسمح بذلك.
تمكين النساء عبر المعرفة
كل عام، تبدأ مئات الآلاف من النساء حياةً جديدة وهن يحملن الأمل والثقة، لكن كثيرات منهن يفتقدن السلاح الأهم في رحلتهن: معرفة حقوقهن.
الحقوق المجهولة هي حقوق مهدرة.
وفي بريطانيا تصل آلاف النساء إلى المملكة المتحدة عبر تأشيرات الزواج، كثيرات منهن يصلن بلا أداة أساسية: معرفة حقوقهن. لهذا أطلقنا عريضة برلمانية لنجعل التثقيف بالحقوق إلزاميًا للنساء القادمات بتأشيرات الزواج.
تخيلوا لو أن كل امرأة تصل وهي تعلم مسبقًا أنها:
• تستطيع مغادرة علاقة مسيئة دون أن تخسر وضعها القانوني.
• تعرف كيف تصل إلى خدمات الطوارئ والمساعدة القانونية.
• تعلم الحماية التي يضمنها لها القانون البريطاني ضد العنف الأسري والسيطرة القسرية.
• لها الحق في حساب بنكي مستقل، عقد إيجار باسمها، واستقلال مالي.
هذا ليس بيروقراطية—بل حماية عبر المعرفة.
التعليم هو الوقاية. والوقاية تنقذ الأرواح.
إذا استطعنا أن نفرض اختبارات القيادة للسلامة على الطرق، يمكننا أن نفرض اختبارات معرفة لضمان السلامة في حياة جديدة.
أكسفورد، أشكركم على الاعتراف بهذه الرحلة—ليست كصراع من أجل البقاء، بل كرسالة من أجل تغيير جذري.
التغيير ليس لقبًا. إنه واجب. واليوم، أشارك هذا الواجب معكم جميعًا.
لأن التغيير لا يُمنح—بل يُصنع. ويبدأ حين ينتهي الصمت. واليوم، لنجعل الصمت ينتهي معًا.
كلمة ختامية
أريد نظامًا نسويًا حقيقيًا، يحطم سلطة البطريركية المتجذرة، ويفك قيود الهيمنة التي يفرضها المجتمع باسم الدين أو العادات.
أريد أن أهدم التنميط، وأرفض تسليع الجسد، وأكسر الصورة النمطية التي سجنت المرأة لعقود.
أريد تعليمًا عادلًا وتشريعات راسخة لتمكين المرأة، ولتفكيك حلقات السلطة الذكورية على كل المستويات.
أريد أن أقول للعالم بصوتٍ واضح: الحرية حق مطلق لا يُنتزع.
أحلم بمجتمع تنتفض فيه المرأة، وتكتب بيديها مستقبلها، دون إذنٍ من أحد، ودون وصاية على قرارها أو حياتها.
وأترككم مع كلمات إل. آر. كنست
“الحياة مدهشة. ثم تصبح قاسية. ثم تعود لتصبح مدهشة. وبين المدهش والقاسي، هناك العادي والروتيني واليومي. تنفّس المدهش، تمسّك في مواجهة القاسي، واسترح خلال العادي. هذه هي الحياة—مؤلمة، مشفية للروح، مدهشة، قاسية، عادية. وهي جميلة بشكل يخطف الأنفاس.”
رؤيتي واضحة: عالم لا تفقد فيه أي امرأة حريتها باسم الحب، ولا يتحوّل أي طفل إلى ضحية في صراعات الكبار، ولا يخشى فيه أحد ثمن قول الحقيقة.